إعلان 4

الجمعة، 15 يوليو 2016

دعاء غريب

  ودعا رجلٌ لـملك فقال: جعل الله قوّتك قوّة نملة،وجرأتك جرأة ذبابة، وكيدك كيد امرأة. فغضب الـملك فقال له الرجل: على رسلك أيـها الـملك، إنه يبلغ من قوّة النملة أن تحمل أضعاف وزنها، ومن جرأة الذباب أن يقع على أنوف الـملوك، ومن كيد الـمرأة أن تغلب دهاة الرِّجال، فسكن عن الـملك الغضب.

ظلامة

 تظلّم أحدهم من عامله فقال: ما ترك فضة إلا فضّها، ولا ذهباً إلا أذهبه، ولا غلّة إلا غلّها، ولا غنماً إلا غنمها، ولا فرساً إلا افترسه، ولا عقاراً إلا عقره، ولا ضيعة إلا ضيّعها،ولا سيداً إلا استبدَّ به.

أنواع الإخوان

  كان يوسف بن أبي السباح يقول: مثل الإخوان كالسلاح. فمنهم مَنْ هو كالرمح تطعن به من بعيد ثم يعود إليك، ومنهم مَنْ هو كالسهم ترمي به من بعيد ولا يعود، ومنهم مَنْ هو كالمِجَنّ تتقي به من النوائب، ومنهم مَنْ هو كالسيف الذي لا ينبغي أن يفارقك في السفر والحضر، ليلاً ونهاراً.

رؤيا

 قال أحمد بن يوسف الكاتب: لما أمرني المأمون بالكتابة إلى الآفاق في الاستكثار من القناديل في شهر رمضان، لم أدر كيف أكتب، فأتاني آتٍ في المنام وقال لي: اكتب: فإنَّ فيها أنساً للسابلة، وضياءً للمجتهدين، وتنزيهاً لبيوت الله من وحشة الظلم ومكامن الريب.

ذكاء غلام

 يقول الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: كنت على باب المسجد، فإذا شيخ على حمار، فقال لي: يا غلام، أمسك عليَّ هذا الحمار حتى أدخل المسجد فأركع. فقلت: ما أنا بفاعل أو تحدِّثني! قال: وما تصنع أنت بالحديث؟ واستصغرني فقلت: حدِّثني. فقال: حدثني جابر بن عبد الله، وحدثنا ابن عباس.. فحدثَّني بثمانية أحاديث. فأمسكت حماره، وجعلت أحفظ ما سرده عليَّ. فلما صلى وخرج قال: هل نفعك ما حدثتك به؟ فقلت: حدثتني بكذا، وحدثتني بكذا. فرددت عليه جميع ما حدثني به. فقال: بارك الله فيك، تعال غداً إلى المجلس، فإذا هو عمرو بن دينار رحمه الله.

الخميس، 7 يوليو 2016

وعد الأمير

قال مالك بن عمارة اللخمي: كنت أجالس في ظل الكعبة أيام المواسم عبد الملك بن مروان وقبيضة بن ذؤيب وعروة بن الزبير، وكنا نخوض في الفقه مرة وفي المذاكرة مرة وفي أشعار العرب وأمثال الناس مرَّة، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتساع في المعرفة والتصرف في فنون العلم وحسن استماعه إذا تحدَّثت وحلاوة لفظه إذا حدَّث، فخلوت معه في ليلة فقلت: ولله إني لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرفك وحسن حديثك وإقبالك على جليسك، فقال: إن تعش قليلًا ترَ العيون طامحة إليَّ والأعناق نحوي متطاولة، فإذا صار الأمر إليَّ فلعلك أن تنقل إليَّ ركابك فلأملأنَّ يديك، فلما أفضت إليه الخلافة توجهت إليه فوافيته يوم الجمعة وهو يخطب على المنبر، فلمَّا رآني أَعرَض عني فقلت: لم يعرفني أو عرفني وأظهر نكره، فلما قُضيت الصلاة ودخل ثم ما لبث أن صرخ الحاجب فقال: أين مالك بن عمارة؟ فقمت، فأخذ بيدي وأدخلني عليه، فمد إليَّ يده وقال: إنك تراءيت لي في موضع لا يجوز فيه إلا ما رأيت، فأما الآن فمرحبًا وأهلًا، كيف كنت بعدي؟ فأخبرته فقال: أتذكر ما قلت لك؟ قال: نعم، فقال: والله ما هو بميراث ادَّعيناه ولا إرثٍ ورثناه، ولكن أخبرك مني بخصال سمت لها نفسي إلى موضع ما تراه، حيث إنني ما شمتُّ بمصيبة عدوٍّ قط، ولا أعرضت عن محدِّثِّ حتى ينتهي، ولا قصدت كبيرةً من محارم لله متلذذًا بها، فكنت آمَلُ بهذه أن يرفع لله منزلتي، وقد فعل. يا غلام، بوِّئه منزلًا في الدار، فأخذ الغلام بيدي وأفرد لي منزلًا حسنًا، فكنت في ألذ حال وأنعم بال، وكان يسمع كلامي وأسمع كلامه، ثم دخل عليه في وقت عشائه
وغذائه فيرفع منزلتي ويُقْبِلُ عَليَّ ويحادثني ويسألني مرَّة عن العراق ومرَّة عن الحجاز حتى مضت لي عشرون ليلة، فتغذَّيت مرة عنده، فلمَّا تفرَّق الناس نهضتُ فقال: على رسلك فقعدت، فقال: أي الأمرين أحبُّ إليك؟ المقام عندنا أو الرجوع ولك الكرامة، فقلت: يا أمير المؤمنين، فارقت أهلي وولدي على أن أزور أمير المؤمنين وأعود إليهم، فإن أمرني اخترت رؤيته على الأهل والولد، فقال: لا، بل أرى لك الرجوع إليهم والخيار لك بعد في زيارتنا، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار وكسوناك وحملناك، أتراني ملأت يديك؟ فلا خير في من ينسى إذا وعد.

المنصور والرَّجل

قال الرَّبيع (مولى الخليفة المنصور): ما رأيتَ رجلًا أربط جأشًا وأثبت جِنانًا من رجل سُعِيَ به إلى المنصور أن عنده ودائع وأموالًا لبني أمية فأمرني بإحضاره، فأحضرته إليه، فقال له المنصور: قد رُفع إلينا خبر الودائع والأموال التي عندك، فقال الرجل: أأنت وارث بني أمية؟ قال: لا، قال: أوُصِّيَ لك في أموالهم ورعاياهم؟ قال: لا، قال: فما مسألتك عما في يدي من ذلك؟
قال: فأطرق المنصور ثم تفكَّر ساعة ورفع رأسه وقال: إن بني أمية ظلموا المسلمين فيه، فاجعله في بيت أموالهم، قال: يا أمير المؤمنين، فتحتاج إلى بيِّنة عادلة أنَّ ما في يدي لبني أمية فما خانوا به ولا ظلموا، فإن بني أمية كانت لهم أموال غير أموال المسلمين،
قال: فأطرق المنصور ساعة ثم رفع رأسه وقال: يا ربيع، ما أرى الشيخ إلَّا قد صدق، وما يجب عليه شيء، وما يسعنا ألا أن نعفو عما قيل عنه، ثم قال: هل لك من حاجة؟ قال: أن تجمع بيني وبين من سعى بي إليك، فولله يا أمير المؤمنين ما لبني أمية عندي
مال ولا سلاح، وإنما أحُضرت بين يديك وعلمت ما أنت فيه من العدل والإنصاف واتباع الحق واجتناب المظالم، فأيقنت أن الكلام الذي صدر مني هو أنجح وأصلح لما سألتني عنه، فقال المنصور: يا ربيع، اجمع بينه وبين الذي سعى به، فجمع بينهما، فقال: يا أمير
المؤمنين، هذا أخذ لي خمسمائة دينار وهرب، ولي عليه مسطور شرعي، فسأل المنصور الرجل فأقرَّ بالمال، قال: فما حملك على السعي كاذبًا؟ قال: أردت قتله ليخلص لي المال، فقال الرجل: قد وهبتها له يا أمير المؤمنين لأجل وقوفي بين يديك وحضوري مجلسك، ووهبته خمسمائة دينار أخرى لكلامك لي، فاستحسن المنصور فعله وأكرمه وأعاده إلى بلده مُكرمًا، وكان المنصور كل وقت يقول: ما رأيت مثل هذا الشيخ قط ولا أثبت من جِنانه ولا من حُجته، ولا رأيت مثل حِلمه ومروءته.